مجد الدين ابن الأثير
372
المختار من مناقب الأخيار
الشيخ شيئا . فقال له : يا فتى ! كانوا يجتمعون لا عن موعد ، ويفترقون لا عن مشورة . وقال وقد سئل عن السماع : هو مكاشفة الأسرار إلى مشاهدة المحبوب ، وقد بلغنا فيه إلى مكان مثل حدّ السّيف ، إن ملنا كذا ففي النار . وسئل يوما عن السماع فقال : ليتنا تخلّصنا رأسا برأس . وقال : التفكّر على أربعة أوجه : ففكرة في آيات اللّه تعالى ، وعلامتها تولّد محبّة اللّه منها ؛ وفكرة في الوعد بثواب اللّه ، وعلامتها تولّد الرّغبة فيها ؛ وفكرة في وعيد اللّه ، وعلامتها تولّد الرهبة من اللّه ؛ وفكرة في جفاء النفس مع إحسان اللّه ، وعلامتها تولّد الحياء من اللّه تعالى « 1 » . وقيل له : لم يلحق الإنسان من التعذيب عند لقاء من يحبّه أشد من وقت الفراق فقال : بكى عليها حتى إذا حصلت * بكى عليها خوفا من الغير وقال : النفس مجبولة على سوء الأدب ، والعبد مأمور بملازمة الأدب ، والنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة ، والعبد يجتهد في ردّها عن سوء المطالبة ، فمتى ما أطلق عنانها ، فهو شريكها في فسادها ، كما قال عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : من أعان نفسه على هوى نفسه فقد أشرك في قتل نفسه . وقال : قال لي أبو العباس المؤدّب : من أين أخذ صوفيّة عصرنا هذا الأنس بالأحداث ؟ فقلت له : يا سيدي ! أنت بهم أعرف ، وقد تصحبهم السلامة في كثير من الأمور . فقال : هيهات ! قد رأينا من أقوى إيمانا منهم ، إذا رأى الحدث قد أقبل يفرّ منه كفراره من الزّحف ؛ إنما ذلك على حسب
--> ( 1 ) أورده السبكي في الطبقات 3 / 52 والمناوي في الكواكب 2 / 9 .